السيد محمدحسين الطباطبائي
110
تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن
أقول : ويظهر من ضمّ الرواية الثانية إلى الأولى : أنّ في العلم مرتبة غير محدودة ، وظاهر أنّ عدم التقدير ليس من حيث الكثرة العدديّة في المعلومات ؛ إذ كلّ عدد يدخل في الوجود - فهو محدود ؛ لكونه أقلّ من الزائد عليه بواحد ، ولو كان كذلك كان الكرسي بعض العرش أو عينه بوجه ، فهو علم غير مقدّر بقدر ؛ من حيث كون المعلوم غير متناه من غير جهة العدد ، بل من حيث كمال الوجود ، فينطبق على قوله : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ « 1 » وسيجيء شرحه إن شاء اللّه . والأشياء بحسب وجوداتها الخارجيّة معلومة له تعالى ؛ أي أنّ أنفسها نفس العلم كما سيجيء في ذيل قوله تعالى : وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ « 2 » فبين عالم الأجسام - وهو عالمنا - وبين هذه الموجودات الغير المتناهية - التي هي خزائن الغيب - مرتبة من العلم مقدّرة بالأقدار محدودة بتناهي الوجود ، وهي الكرسي . وهو المستفاد من قوله سبحانه : يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ حيث جعل المعلوم ما بين أيديهم وما خلفهم ، وهو أمر غير مجتمع الوجود في هذه النشأة ، فهناك مقام يجتمع فيه وجود المتفرّقات الزمانيّة ، وليست وجودات غير متناهية الكمال ، وإلّا لم يصحّ الاستثناء من الإحاطة ، فهو مقام يمكن لهم أن يحيطوا ببعض ما فيه . وفي التوحيد عن حنّان قال : « سألت أبا عبد اللّه - عليه السلام - عن العرش والكرسي ، فقال - عليه السلام - : إنّ للعرش صفات كثيرة مختلفة ، له في كلّ
--> ( 1 ) . الحجر ( 15 ) : 21 . ( 2 ) . يونس ( 10 ) : 61 .